تخطيط القوى العاملة في المطارات
لا تستغرب إذا ذهبت في أول ليلة من العيد إلى المطار ثم وجدته ممتلئًا بالمسافرين. فإذا كنت من الذين يمتد عندهم العيد لأيام من الزيارات واللقاءات العائلية، هناك من ينتهي “عيدهم” صباح يوم العيد نفسه، بعد اجتماع سريع على مائدة واحدة، ثم يعود الجميع إلى منازلهم وكأن المناسبة انتهت ، بينما يخطط آخرون لإجازة العيد على أنها إجازة سياحية، فتبدأ رحلتهم من المطار.
لكنني هنا لا أتوقف عند هذه الظاهرة الاجتماعية، بقدر ما أتوقف عند تلك القطاعات التي لا تعرف الإجازات أصلًا، وتواصل عملها طوال أيام السنة دون توقف، مثل المطارات والمستشفيات وبعض القطاعات الأمنية والتشغيلية. فهي تعمل 365 يومًا في السنة، وعلى مدار 24 ساعة يوميًا، مهما تغيرت المواسم أو المناسبات.
ولأن لي تجربة سابقة في مراجعة خطة للقوى العاملة لإحدى الجهات في قطاع الطيران، تفاجأت حينها بتنوع التخصصات التشغيلية داخل المطار وكثرتها، وهو ما أشعل لدي فضولًا أكبر لفهم هذا القطاع من منظور تخطيط القوى العاملة. وخلال الأيام الماضية قضيت وقتا في قراءة عدد من الدراسات والتقارير العالمية المتعلقة بتخطيط وتشغيل المطارات، ليس بهدف فهم التشغيل فحسب، بل لفهم المنهجيات التي يمكن من خلالها استنتاج الاحتياج الوظيفي.
فالمطار ليس مجرد مبنى تمر عبره الرحلات، بل منظومة تشغيلية معقدة تعتمد على تدفق الركاب، والطوابير، والتوقيت، والسعة التشغيلية. وعندما تنظر إلى مطارات كبيرة مثل مطار الملك خالد الدولي الذي استقبل أكثر من 37 مليون مسافر خلال عام 2024، فمن الطبيعي أن يتبادر إلى ذهنك سؤال مهم:
كيف يتم تحديد الاحتياج الوظيفي لمثل هذه المنظومة الضخمة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، دعونا نتوقف عند بعض الوحدات التشغيلية داخل المطار، مثل:
- كاونترات التسجيل والتذاكر.
- نقاط التفتيش الأمني.
- الأرصفة ومناطق إنزال الركاب.
- البوابات وصالات الانتظار.
- مناولة الأمتعة.
- الخدمات الأرضية.
- وغيرها من الأنظمة التشغيلية المترابطة.
وما لفت انتباهي أثناء الاطلاع على هذه الدراسات أنها لا تبدأ بسؤال: كم موظف نحتاج؟ بل تبدأ أولًا بفهم الطلب التشغيلي.

بمعنى آخر، المطار لا يُصمم على متوسط الحركة السنوية، بل على أعلى فترات الضغط التشغيلي المتوقع.
ولنأخذ كاونترات التسجيل مثالًا.
قد يظن البعض أن تحديد عدد الكاونترات يعتمد فقط على عدد المسافرين، بينما الواقع مختلف تمامًا. فالدراسات تأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل، من أهمها:
- عدد الركاب المتوقع خلال ذروة 30 دقيقة.
- نسبة الركاب الذين سيستخدمون كاونترات التسجيل التقليدية.
- نسبة مستخدمي التسجيل الإلكتروني.
- متوسط زمن خدمة كل راكب.
- الحد الأقصى المستهدف لزمن الانتظار.
- عدد نقاط الخدمة المتاحة.
ومن خلال هذه المعطيات يتم بناء نموذج يحاكي حركة الركاب دقيقة بدقيقة للإجابة عن سؤال واحد:
كم كاونتر يجب تشغيله حتى يبقى زمن الانتظار ضمن المستوى المستهدف؟
والأمر نفسه يتكرر في بقية الوحدات التشغيلية، لكن بمعادلات مختلفة ففي نقاط التفتيش الأمني يكون العامل الحاسم هو معدل معالجة كل مسار أمني وعدد الركاب المتزامنين.
وفي الأرصفة الخارجية يتم التركيز على عدد المركبات، وأنماط الوصول، وزمن التوقف، والطاقة الاستيعابية للرصيف أما في صالات الانتظار والبوابات، فيتم الاعتماد على حجم الطائرات، وعدد المقاعد، وجدول الرحلات، والتداخل بين أوقات المغادرة.
وهنا تكمن الفكرة التي أراها جوهرية في تخطيط القوى العاملة داخل المطارات فكل وحدة تشغيلية تمتلك محرك طلب مختلفًا، وبالتالي تمتلك منهجية مختلفة لتحديد احتياجها من الموارد، إلا أنها جميعًا تنطلق من بيانات تشغيلية واحدة هي حركة الركاب ولذلك فإن تخطيط القوى العاملة في المطارات يبدو أقرب إلى هندسة تشغيلية منه إلى مجرد حسابات عددية أو نسب معيارية ثابتة.
فالاحتياج الوظيفي الحقيقي لا يجيب فقط عن سؤال: كم موظف نحتاج؟ بل يجيب أيضًا عن أسئلة أكثر أهمية:
- متى نحتاجهم؟
- وأين نحتاجهم؟
- وكم تستمر الذروة التشغيلية؟
- وكيف نوزع الموارد قبل أن يتحول الضغط التشغيلي إلى ازدحام يؤثر في تجربة المسافر؟
ومن هنا أدركت أن كثيرًا من تحديات القوى العاملة في المطارات لا تعود إلى نقص الموظفين بقدر ما تعود إلى عدم فهم نمط الطلب التشغيلي، وهو ما يجعل الاستثمار في النماذج التشغيلية وتحليل البيانات أحد أهم مفاتيح بناء خطط قوى عاملة أكثر دقة وكفاءة.

محمد المغيرة
Mohammed Almughyirah
