لا أنسى شبكة القطارات في نيويورك حين كنت زائرا لها متأخرا في الليل. كنت قد عزمت أن أختتم رحلتي في الولايات المتحدة بزيارة هذه المدينة ليومين قبل عودتي إلى الوطن. أحمل حقيبة السفر وأجرّها خلفي في طرقات لا تهدأ متجها إلى الفندق.

ركبت قطار المترو (Subway) بعد دهشتي من كثرة القطارات وتشابك المسارات وتفرّع المحطات تحت الأرض كأنها متاهة لا تنتهي. وبينما كنت أحدّق في الخريطة محاولا فهمها سألت رجلا بدا من أهل المدينة عن المحطة التي ينبغي أن أنزل عندها للوصول إلى مقر إقامتي.

أخذ العنوان قرأه ببطء ثم رفع رأسه ونظر إليّ نظرة امتزج فيها الاستغراب بشيء من التردد. سكت لحظة أطول مما ينبغي ثم قال:

كان هذا تحديدًا أكثر ما كنت أحتاجه… وأقل ما كنت أودّ سماعه في تلك الليلة.

كيف تُدار منظومات النقل العام يوميا؟

وكيف يُحسب الاحتياج الوظيفي للقوى العاملة التي تقف خلف هذه الخدمة الضخمة؟

في تلك اللحظة ومع تراكم أعوام الخبرة العملية في تخطيط القوى العاملة برز إلى ذهني تساؤل دائم مع كل قطاع يظهر وهو كالآتي:

مضت السنوات وتذكّرت هذا الموقف الأسبوع الماضي حين رأيت القطار يحلق بطابعٍ أقرب إلى الخيال في الرياض أمام المدينة المالية. ورغم أنني لم أجرّبه بعد إلا أن أثره الإيجابي على حياة الناس (من خلال أحاديثهم وردود أفعالهم) كان كافيا لأن يبث في النفس شعورا بالفخر والسرور.

في هذه المرحلة لا يُطرح سؤال (كم موظف نحتاج؟) بل سؤال أكثر جوهرية (ما مستوى الخدمة الذي نريد تقديمه للمستخدم؟) ويشمل ذلك:

  • ساعات التشغيل اليومية
  • تردد الرحلات
  • فترات الذروة وخارج الذروة
  • مستوى الانتظار المقبول

هذه القرارات تُتخذ عادةً من منظور خدمي لكنها في الواقع تمثل أكبر محدد لعبء العمل البشري لاحقًا.

بعد تحديد سياسة الخدمة يتم تحويلها إلى أرقام تشغيلية واضحة:

  • عدد الرحلات في الساعة
  • عدد الرحلات في اليوم
  • إجمالي الرحلات على مستوى الخط ثم الشبكة

هنا ننتقل من رؤية خدمية إلى حجم تشغيل فعلي قابل للقياس.

الرحلات وحدها لا تعبّر عن عبء العمل الحقيقي. ما يهم هو كم ساعة تكون المركبات في الخدمة؟

ويتم ذلك عبر:

  • احتساب زمن الرحلة ذهابًا وإيابًا
  • إضافة أزمنة التوقف النظامية
  • تجميع الرحلات في كتل تشغيلية

وهنا يظهر لأول مرة عبء العمل التشغيلي الحقيقي.

في هذه المرحلة يتم:

  • تقسيم ساعات الخدمة إلى ورديات
  • احتساب أوقات الاستعداد والراحة والتسليم
  • تطبيق معامل التحويل (Pay-to-Platform Ratio)

وهو ما يعكس الفجوة الواقعية بين ساعات الخدمة وساعات العمل المدفوعة.

أخيرًا يتم تحويل عبء العمل البشري إلى رقم واضح:

كم موظف نحتاج؟ وذلك عبر:

  • احتساب الطاقة السنوية للفرد
  • إضافة نسب الإجازات والغياب والاحتياطي
  • الوصول إلى الاحتياج بصيغة (FTE)

وانظر إلى الجدول أدناه الذي يحتوي على بعض المدخلات الرئيسية والحسابات والنتائج المبنية على هذه المنهجية في تخطيط القوى العاملة.

وإذا كنت ما تزال تتساءل عمّا حصل لي في نيويورك فقد وصلت للفندق بسلام ولم يحدث لي مكروه ولله الحمد ولكن يتضح أنني قضيت تلك الليلة أراجع خرائط المترو أكثر مما راجعت جدول الرحلة بذاتها.

Mohammed Almughyirah

محمد المغيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *